مشروع / مهنة المحاماة / الهنوف ايمن واساور احمد /صف ثامن ثالث

 مهنة المحاماة 

هل يوجد على هذه الأرض ما هو أشرفُ من الدّفاع عن المظلومين؟ هذا ما يفكّر به طالبُ الثانويّة عندما يرى درجاته النهائيّة، حين يُقدِم على وضعِ رغباته في قائمة الرغبات التي تختار إحداها رئاسةُ الجامعة، فينتقي الاختصاص المناسب للمتقدّمين وفق ترتيب رغباتهم بالإضافة إلى محصّلهم الدراسي، وحينَ يؤهّلَه المجموع النهائي لوضع قسم الحقوق ضمن رغباته لن يتردد في كتابته في خانةِ الرغبة الأولى، فلن يغيب عن ذهنه ما كابدَهُ الإنسانُ العربي في الآونة الأخيرة من تحمّلٍ للظلم والقهر والاستبداد، ولن تفارقه لحظةً صوَرُ الأبرياء على شاشةِ التلفاز في نشرة الأخبار، وهم يَبكونَ من شديدِ ما مرَّ عليهم من قتلٍ للأحبّة والأقرباء، وتشريدٍ في الطعامِ والسكن، وتحمّلٍ لأصعب ظروف الفقر والبرد والجوع.


 بعد دراسة الحقوق، وفي مهنة المحاماة على وجه الخصوص سأتمكّن من الدّفاع عن أيّ شخصٍ يلجأ إليّ لتخليصه من الظلم والجَور، وسأبذل كل جهدي لتخفيف آلام المعذبين من أصحاب التسلّط والهيمنة بغير وجه حقّ، فمن مميزات مهنة المحاماة أنها الوجهُ القويّ لإعطاء الحقّ لمن يستحقّ، ذلك مبدأ الكبار من القضاة والمحامين، وبهذا المبدأ تصبح المحاماةُ مهنة ذاتِ قداسةٍ لا يُستهانُ بها، لأنها تعيد لكلٍّ من الظالم والمظلوم مكانته وحقوقه، وتمنع الفساد من أن ينهشَ البلادَ والعباد، فيأكل الضعيف ويغذّي القويّ دون أي ضابطٍ يمنع طمَع القوي وجشعه وأكله لحقوق غيره. مهنة المحاماة تقتضي دراسة الشريعة التي تحكم بها البلاد، لأن القوانين التي تقوم عليها حكومة الدولة لا بدّ أن تكون تابعةً لخصائص دينٍ ما، وإن لم تكن كذلك لا بدَّ أن تكون تابعةً لقوانين السلامِ العالمي، إذ إنّ الانسلاخ عن التبَعيّةِ لدين من الأديان يقتضي أن تكون الأحكام موافقةً للطبيعة البشرية ومنصفةً لها، ولكن قد يتفاوتُ ذلك من دولةٍ لأخرى حسب البيئة وأمانة السلطة في تحديد القوانين.


من الإنصافِ والحريّةِ بمكان أن تكون الدولة تابعةً للحكم الإسلاميّ الذي يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقّه ويمنعه من ظلم الآخر، ويشدّد في عقوبة القاتل المتعمّد، ويمنع الثأر القبَليّ وقتل الإناثِ الذي كان سائدًا في المجتمعات العربية، ويحدّ من انتشار الفساد بضمان حقوق المرأةِ، ويحثّ على حفظ زوجها لها وضبطِ عملها ضمن قالبٍ يضمنُ سلامتها وكرامتها، كما يحثُّ على الزواج ولا يشترطُ له شروطًا قاسية، بل أقلَّ ما يستطيعه الإنسان لتوفير حياةٍ في نطاقها المُعتاد، ويجعلُ من فراق الزوجين أمرًا مسموحًا إن لم يكن ثمةً توافقٌ بينهما، ويضمن لكلّ منهما حقوقه بالإضافة إلى المحافظة على أطفالهما، فيمنعُ بذلك نظام الهجر بغير وجه حقّ، ويحدّ من الفساد الذي تجلبه العلاقات غير الشرعية.
لقد وجدتُ في هذا الدين كلّ ما يحتاجه المرء ليكون إنسانًا سائرًا حسب ما تقتضيه فطرتُه السليمة وفكرهُ السليم وعيشه الكريم النافع لنفسه ولغيره، كما يجعل من الجماعات شعوبًا تدرك مفهوم الجماعة بصورته الأكمل، وتعين على التآزر والنهضة فيما بينهما، فتقومُ بأمر بعضها البعض وتحفظُ حقوقَ الجميع، وتعطي الحرّية للجميع بما يتناسب مع القانون العامّ الذي لا تؤثر فيه حريّة فردٍ على الآخر.





دراسة المحاماة تجعلني أستعيد رغبتي في الحياة بعد كلّ ما رأيته عبر شاشة التلفاز، وبعد كلّ ما ذرفتُه من دمع حُزنًا على أولئكَ الذين ينامونَ في الخيام في أشدّ أيام السنة بردًا، تحت الثلج، وأولئكَ الذين هبطَتْ عليهم الصواريخُ أثناء نومهم وهم بين أطفالهم، وأولئك الذي فُقِد لهم أبٌ فلم يعُد ولم يعلموا عنه شيئًا منذ سنوات، فضلًا عن أولئك الذين ذُبِحَ أمامهم أقرباؤهم ولم يستطيعوا أن يتفوّهوا بكلمة، لأنّهم يعلمون أنّ رقبتهم ستكون تحت السّكّين بعد دقائق.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مشروع عن الجدول الدوري

السياحة في صلالة